محمد بن محمد ابو شهبة
126
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
وما لبث أبو جهل حين سمعه أن صاح بالناس من عند الكعبة يستنفرهم ، وكان أبو جهل رجلا خفيفا حديد الوجه ، حديد اللسان ، حديد النظر ، ولم تكن قريش في حاجة إلى من يستنفرها فقد كان لكل منهم في هذه العير نصيب . فتجهز الناس سراعا وقالوا : أيظن محمد وأصحابه أن تكون كعير ابن الحضرمي ؟ واللّه ليعلمنّ غير ذلك ، فكانوا بين رجلين : إما خارج ، وإما باعث مكانه رجلا . وأوعبت قريش « 1 » ، فلم يتخلف من أشرافها إلا أبو لهب بن عبد المطلب ، فقد بعث مكانه العاص بن هشام بن المغيرة استأجره بأربعة آلاف درهم كانت عليه قد أفلس بها ، وكاد أمية بن خلف يتخلّف ، وكان شيخا جليلا جسيما ثقيلا ، ذلك أنه سمع من صديقه سعد بن معاذ - وقد ذهب إلى مكة معتمرا بعد الهجرة - أنه سمع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « إنهم قاتلوك » قال : بمكة ؟ قال سعد : لا أدري . فلما حصل الاستنفار تذكر هذا وداخله رعب شديد . ولكن اللّه إذا أراد شيئا هيأ له الأسباب ، فلم يلبث أبو جهل - وقد علم بخبر تخلفه - أن جاءه ومعه عقبة بن أبي معيط ، ومع عقبة مجمرة فيها بخور ، ومع أبي جهل مكحلة ومرود ، فوضع عقبة المجمرة بين يديه وقال له : يا أبا علي استجمر فإنما أنت مثل النساء ، وقال أبو جهل : اكتحل أبا علي فإنما أنت امرأة ، فلم يجد بدا وقد استثارا حميته بهذا الكلام الجارح لرجولته إلا أن قال لهم : ابتاعوا لي أجود بعير بمكة ، وخرج معهم وفي نيته أن يرجع بعد قليل متسللا ، ولكن منيته ساقته إلى حتفه رغم أنفه ، وهكذا لم يتخلّف بمكة قادر على القتال ، غير بني عدي فلم يخرج منهم أحد . تخوف قريش من بني بكر وكانت قريش تتخوف إذا خرجت إلى لقاء النبي وصحبه أن يأتيهم بنو بكر بن عبد مناة بن كنانة من خلفهم ، لما كان بينهم من ثارات وقتل في الجاهلية ، حتى كاد ذلك يثنيهم عن الخروج لولا أن جاء سراقة بن مالك بن
--> ( 1 ) يقال : أوعب القوم إذا خرجوا جميعا إلى الغزو .